أوهام الوعي — الفصل الثاني: الوعي الذي يخدعك: حين تصبح نفسك أكبر كذبة تعيشها
ثمة خدعةٌ كبرى يعيش بها الإنسان، لا لأنه ضعيف فقط، بل لأنه يخاف من أن يكون أقرب إلى العدم مما يحتمل.
تلك الخدعة اسمها: الوعي.
نعم، الوعي نفسه… لا بوصفه نورًا خالصًا كما يحب أن يراه المتفائلون، ولا بوصفه لعنةً كاملة كما يتوهمه اليائسون، بل بوصفه تلك المنطقة الرمادية المربكة التي يظن فيها الإنسان أنه يعرف نفسه، بينما هو في الحقيقة لا يعرف سوى الصورة التي صنعها عنها.
إن أخطر ما في الوعي أنه لا يصرخ.
لا يأتيك ككارثةٍ معلنة، ولا كعدوٍّ واضح الملامح، بل كصوتٍ داخلي هادئ، يضع يده على كتفك ويقول: أنا أنت.
وهنا تبدأ المأساة.
ليس الوعي معرفةً، بل تفسيرٌ متأخر.
وليس كشفًا كاملًا، بل محاولة دائمة لترتيب الفوضى بعد وقوعها.
حين تقول: “أنا فهمت نفسي”، فأنت غالبًا لم تفعل شيئًا سوى أن رتبت حكايةً مريحة عن نفسك، حكايةً أقل إزعاجًا من الحقيقة.
فالإنسان لا يعيش كما هو،
بل كما يستطيع أن يحتمل نفسه.
لذلك يبني داخل رأسه غرفًا صغيرة للتهدئة، يعلّق فيها ما لا يستطيع تفسيره، ويغلق عليها باسم العقلانية، والاتزان، والنضج، والتجربة.
لكن ما لم يُفهم… لا يختفي.
بل يتخفى.
ويتكلم من وراء الستار.
ويحرك اختياراتك وأنت تظن أنك حرّ.
كل واحد منا يحمل داخل صدره نسخةً مزيّفة من نفسه.
نسخةً أكثر قبولًا، أكثر ترتيبًا، أقل انكشافًا.
نقدمها للناس، ثم نصدقها تدريجيًا، حتى ننسى أن هناك شيئًا آخر خلفها:
ذلك الكائن المرتبك الذي لا يحب الاعتراف، ولا يجيد التسمية، ولا يفهم تمامًا لماذا يخاف، ولا لماذا يحب، ولا لماذا ينجذب أحيانًا إلى ما يؤذيه.
نظن أننا نختار.
لكن كثيرًا مما نسمّيه “اختيارًا” ليس إلا استجابةً متأخرة لرغبات قديمة، لجراحٍ لم تُسمَّ، لذكرياتٍ لم تنتهِ، لخوفٍ تم تربيته بعناية حتى صار يبدو كأنه حكمة.
أفكارنا ليست دائمًا أفكارنا.
ورغباتنا ليست دائمًا رغباتنا.
بل في أحيان كثيرة، نحن مجرد ساحةٍ تتنازعها آثار الماضي، وتطلعات المجتمع، وخوف الفقد، وأوهام السيطرة.
تأمل الإنسان حين يتحدث عن ذاته.
إنه لا يصفها، بل يدافع عنها.
يختار من سيرته ما يبدو لائقًا، ويترك ما يجرحه، ويُعيد ترتيب الأحداث حتى تظهر حياته وكأنها كانت تقود نفسها نحو معنى ما.
وهنا تقع الخديعة الثانية:
أننا لا نحب الحقيقة كما نزعم، بل نحب نسخة الحقيقة التي لا تهدد صورتنا.
إن الحقيقة الكاملة ليست جميلة دائمًا.
بل أحيانًا تكون فاضحة إلى حدٍّ لا يطاق.
تكشف أن بعض المبادئ التي نفاخر بها ليست إلا دفاعات محترمة.
وأن بعض الكرامة ليست إلا خوفًا من الرفض.
وأن بعض القوة ليست سوى تمثيل طويل حتى لا يلاحظ الآخرون هشاشتنا.
الوعي، في أعمق طبقاته، ليس انتصارًا على الجهل؛
بل صراعٌ مرير بين ما نريد أن نكونه، وما نحن عليه فعلًا.
ومن هنا نفهم لماذا يتعب العارف أكثر من الغافل.
لأن الغافل يسير خفيفًا، محمولًا بوهم الوضوح،
أما العارف فيمشي وهو يحمل فوق ظهره أسئلةً لا تنتهي، وشكوكًا لا تهدأ، واحتمالات لا تتركه يرتاح.
الجهل مريح.
ليس لأنه جميل، بل لأنه بسيط.
أما الوعي فيُدخل الإنسان في متاهةٍ لا بوابة لها،
كلما ظن أنه اقترب من مركزها، اكتشف أن المركز كان مجرد دائرة أخرى أوسع وأكثر ظلمة.
ثم هناك الخدعة الأخطر:
أن الإنسان يظن أن الألم يدل دائمًا على الحقيقة.
ليس كل ما يؤلمك صادقًا.
وليس كل ما يريحك كاذبًا.
لكننا، بحكم جروحنا، نميل إلى تقديس الألم لأنه يخلق فينا شعورًا زائفًا بالعمق.
نظن أن ما ينهكنا هو ما يكشفنا، وأن ما يوجعنا هو ما يعلّمنا، مع أن الألم أحيانًا لا يفعل سوى إعادة تشغيل الجرح بصيغة أجمل.
وهكذا، بدل أن نتحرر من أوهامنا،
نتعلم كيف نمنحها أسماء أكثر فخامة.
الوعي أيضًا ليس كيانًا ثابتًا.
إنه يتبدل، يتلوّن، يتراجع، يتقدم، يختبئ، ويعيد تعريف نفسه كلما اقتربت منه.
حين تظن أنك أصبحت أصدق مع نفسك، قد تكون فقط قد اعتدت رؤية خداعك عن قرب.
وحين تظن أنك تجاوزت، قد تكون في الحقيقة قد تعلمت التعايش مع الشيء نفسه بشكل أكثر أناقة.
وهنا لا يبقى السؤال: هل أنا واعٍ؟
بل: إلى أي حدٍّ أنا مجرد تفسير لطيف لاضطرابٍ أعمق؟
الإنسان يحب أن يضع نفسه في مركز الحكاية.
فيتصور أن ما يشعر به عظيم، وأن ما يفكر فيه فريد، وأن ما يمر به استثنائي.
لكن لو جردنا التجربة من زينتها، لرأينا شيئًا مختلفًا:
كائنًا يكرر الأسئلة ذاتها منذ آلاف السنين،
يخاف الفقد ذاته،
ويحلم بالخلود نفسه،
ويهرب من فراغه بالطريقة نفسها،
فقط بأدوات أحدث ووجوه أكثر تهذيبًا.
نحن لا نختلف في الجوهر بقدر ما نختلف في القناع.
ولأن الوعي مرآة، فهو لا يكشف فقط… بل يشوّه أيضًا.
المرآة لا تكذب عمدًا، لكنها لا تقول كل شيء.
تعكسك من زاوية واحدة، في لحظة واحدة، تحت ضوء واحد.
وهكذا يظن الإنسان أنه رأى نفسه، بينما هو لم يرِ سوى جزء قابل للتصديق.
بل أحيانًا، نستخدم الوعي نفسه لنهرب من أنفسنا.
نفكر كثيرًا حتى لا نشعر.
نحلل بإفراط حتى لا نعترف.
ونغرق في اللغة حتى لا نواجه الصمت الذي يسكن تحتها
وهنا يكمن أحد أعمق أوهام الوعي
أن الإفراط في الفهم قد يكون شكلًا أنيقًا من أشكال الهروب
الوعي الذي لا يراجِع نفسه يتحول إلى صنم
والفكرة التي لا تُختبر تتحول إلى سجن
والإنسان الذي يطمئن إلى تعريفه لنفسه كثيرًا، يفقد بالتدريج القدرة على الدهشة، ثم القدرة على التغير، ثم القدرة على الاعتراف بأنه ربما كان مخطئًا منذ البداية.
وهنا السؤال القاسي
كم من “أنا” في داخلك هي أنت حقًا؟
وكم منها مجرد ميراثٍ نفسي، أو دفاعٍ قديم، أو اقتباسٍ طويل من الآخرين؟
ليس المطلوب أن تكره نفسك
ولا أن تنهار تحت ثقل السؤال
المطلوب فقط أن تتوقف قليلًا عن تصديق أنك انتهيت من فهمك.
لأن الإنسان لا يُفهم مرةً واحدة
الإنسان يُكشف طبقةً بعد طبقة
وفي كل طبقة، يتبين أن ما ظننته أصلًا لم يكن إلا قشرة
وما ظننته قناعةً لم يكن إلا خوفًا مهذبًا
وما ظننته يقينًا لم يكن إلا نجاةً مؤقتة
وهنا تصل الفكرة إلى حدّها الأكثر إزعاجًا
ربما ليست المشكلة أن الوعي يجعلنا نرى الحقيقة
ربما المشكلة أنه يجعلنا نرى كم نحن بعيدون عنها
وهذا الإدراك نفسه، إن لم يُحسن الإنسان حمله، قد يصبح عبئًا يكسّر روحه بدل أن يوسّعها
لذلك، لا ينجو من الوعي من يفهم أكثر،
بل من يتعلم كيف يعيش مع شكه دون أن يتحول الشك إلى قبر
في النهاية، قد لا تكون المسألة: من أنا؟
بل: كم من “أنا” اخترعتُه كي أهرب من الإجابة؟
وهنا يظل السؤال الحقيقي معلقًا فوق الجميع، كمرآة لا تسمح بالعبور دون جرح:
هل الوعي يكشف الإنسان فعلًا… أم أنه أذكى الأوهام التي اخترعها كي لا ينهار أمام نفسه؟
عمر حسين ال هيرا
أكتب لأفهم، وأفهم لأتحرر




جميل أن يصل الإنسان إلى الوعي بذاته، فكرة أن يسمع الإنسان لصوتين بداخله هو دليل على قدرته على نقض نفسه وتصحيح مسارها. هذا الوعي جيد في أصله، لكنه ليس المقصود لذاته. قال الله تعالى: { بَلِ ٱلۡإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِیرَةࣱ (١٤) وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِیرَهُۥ (١٥) }
[سُورَةُ القِيَامَةِ: ١٤-١٥]
فكون الإنسان يصل إلى التبصر بنفسه، واستطاعة تمييز أهوائها وضعفها وتخبطها، فهذا شيء جيد.. جيد جداً. ولكنه في حد ذاته لن يوصل الإنسان إلى الطريق الذي يهتدي به، لأن اللإنسان هنا يكون قد وصل إلى سقف قدراته الذاتية، ويحتاج إلى الانتقال منه إلى الإرشاد والهداية الإلهية، التي هي المقصود الحقيقي من هذا التبصُّر.
الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نتساءل: أفلا تعقلون.. أفلا تذكرون.. أفلا تبصرون..
لكنه سبحانه لم يدعنا نتساءل لأجل التساؤل، ولكن لنصل إلى الإجابة التي أوجدها لنا في كتابه، وأرسل لنا الرسل ليهدونا إليها، ويبصرونا بها: { ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَتَطۡمَئنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئنُّ ٱلۡقُلُوبُ }
[سُورَةُ الرَّعۡدِ: ٢٨]
النفس من دون هداية تظل في حالة من التخبط وعدم اليقين، تبحث في كل شيء عن تلك السكينة التي لن تجدها إلا في الركون إلى خالقها. حينها تسكن وتطمئن، كمن سكن واطمأن في حضن أمه بعد تيه طويل وسط الغرباء.
جميل..أرى أن ما ذكرته يلامس أصحاب الوعي الحقيقي الذين يرون أن الذات الإنسانية عاجزة عن فهم ذاتها بالطريقة المناسبة. وهذا دليل على نقص في النفس كما قرر الله سبحانه وتعالى .الوعي بدور الإنسان في الحياة على مراد الله. هو قمة الوعي .
اشكرك