حين يكون الرقم أقوى من الحلم
لا أتذكر اللحظة التي بدأت أفهم فيها أن العالم لا يعمل بالطريقة التي علّموني إياها. كان يجب أن تكون اللحظة درامية صدمة واحدة تحطم كل شيء. لكن الحياة لا تعمل هكذا. الحياة تعمل ببطء، بتفاصيل صغيرة تتراكم حتى يصبح البيت كله رماداً.
كنت في التاسعة حين بدأت الرحلة. حياتي قبل ذلك كانت نموذجية أب يعمل، أم في البيت، إخوة، أمان. الأنواع من الأمان الذي لا يشعر به الطفل حتى يختفي. صباح عادي جداً، أبي يخرج للعمل مثل أي يوم آخر. لا شيء يخبرك أن هذا اليوم سيكون الخط الفاصل بين نسختين من حياتك.
سيارته سُرقت، والسارقون قادوها حتى اصطدموا بسيارات أخرى. ثم جاء رجل من الشرطة — ولا أتذكر كل التفاصيل، لكنني أتذكر الكلمات الموثقة: أبي "أجنبي"، والأجنبي حين يتعامل مع الشرطة في بلد ليس بلده، يصبح شخصاً مختلفاً. أضعف. أقل حقوقاً. فعندما اراد ابي ان يشرح الشرطي ما حدث بعد أن أستمع للجميع وتبين انهم مواطنين قام بالبصق على وجهه لم يتحمل الإهانة، فرفع يده. والآن، الدولة تحتاج تعويضاً 160 ألف ريال لحادثة سيارة سُرقت. وسجن. خمس سنوات عقوبة عدم السكوت عن اهانة
الآن أفهم الرياضيات: إهانة من رجل شرطة = صفر تعويض. إهانة من أجنبي = سجن وغرامة فادحة.
لم أفهم ما يحدث في البداية. الأطفال لا يفهمون الأنظمة. أنا فقط لاحظت أن أبي لم يعد يأتي في الصباح. لاحظت أن وجه أمي تغيّر. لاحظت أن المال بدأ يختفي بطريقة تدريجية ومرعبة. لاحظت أن الحديث في البيت بدأ يدور حول أرقام أرقام دين، أرقام إيجار، أرقام غرامات
أمي، التي لم تعرف العمل يوماً، اضطرت أن تبدأ من الصفر. تعلمت ميك أب من صديقاتها وذهبت إلى مشغل نسائي. ليس لأنها أحبت هذا العمل. بل لأن هذا كل ما قدرت أن تفعله بسرعة. ساعات عمل طويلة. راتب صغير. إرهاق كامل. وفي كل يوم، كانت تعود بعينين تشعران بالتعب والقلق
في البيت، لم نتحدث عن مشاعرنا. تحدثنا عن أرقام. "الإيجار كام؟" "عندنا كام في الحساب؟" مصروفنا كام؟" كنت طفلاً، لكنني بدأت أفهم أن هناك رقماً معين يحتاج أن يتم تجميعه حتى نستطيع البقاء. كنت أفهم أن الحياة = رقم. وأننا الآن نعيش تحت هذا الرقم
في يوم، طلبت من أمي كمبيوتر. أتذكر الطلب طلب عادي جداً من طفل عادي. لكن هذه المرة، قالت "لا". لم تقل "بعدين". لم تقل "اصبر". قالت "لا". ببساطة. وأنا فهمت.
بكيت تلك الليلة. لكن بكاء الطفل سريع الزوال. ما بقي هو شيء أعمق فهم أن الأشياء التي كنت أعتقد أنها "حقي" ليست حقاً. كانت حظاً. الحظ بدأ ينتهي
الحقيقة عن الطفولة الفقيرة أنها لا تُرى من الخارج دائماً. الناس لا يرون الجوع المكتوم. يرون طفلاً يذهب إلى المدرسة ولا يعرفون أنه نام على معدة فارغة. يرون ملابس لا يعرفون أنك غسلتها بيدك الليلة السابقة. يرون وجهاً مبتسماً لا يعرفون الهموم التي خلفه
في المرحلة المتوسطة، قررت أن أصبح شيئاً أكثر من عبء. بدأت أعمل. الورشة في الصباح الباكر، النجارة بعد الظهر. جمعت 60 ريالاً وبدأت أصلح دراجات الأطفال. كل ريال كان لأمي. لم أكن أحتفي بنفسي حول هذا. لم أشعر أنني بطل. شعرت فقط أنني أحاول أن أقلل الألم قليلاً. أن أزيل بعض الوزن عن كتفيها
ثم انقطعت عن الدراسة. في الصف الثالث المتوسط، توقفت. لا دراما، لا قرار كبير. فقط، الورشة والنجارة بدآ يحتاجان وقتاً كاملاً، والدراسة كانت تأخذ وقتاً. اخترت ما يطعمنا
أربع سنوات عملت صباح ومساء. جسدي ينمو وحول الألم. يداي تتقسيان. عقلي يفكر بأرقام، لا بأحلام. جمعنا المال ببطء. سددنا الغرامة ببطء. توقعنا عودة أبي ببطء
لكن الحياة أحبت أن تضيف مزيداً من الألم. قضية جديدة دعوى ضد أبي بحجة 40 ألف ريال لم يأخذهم قط. وأبي، الذي كان في السجن بالفعل، بقي في السجن. انتقلنا إلى مدينة أخرى، إلى سجن آخر، إلى حياة أخرى من القلق والانتظار
الانتظار هو أسوأ أشكال العذاب. ليس الألم المباشر. الألم هو أن تعرف أن شيئاً سيء قادم، لكن لا تعرف متى بالضبط، فتعيش في حالة من التعليق الدائم. كل يوم قد يكون اليوم. كل خبر قد يكون الخبر. وفي هذا التعليق، تتوقف عن العيش فعلاً. تبقى فقط
سنتان أخرى من هذا. ثم خرج أبي. لكن ليس إلى البيت. رحّلوه إلى البلاد. لا أتذكر إن قالوا السبب. المهم أن أبي لم يعد معنا. هذه الحقيقة الصادقة والمريرة.
سنة أخرى من الانتظار حتى جاء الخبر الأخير: أصيب بجرح في قدمه. تحول إلى غرغرينا. ثم تسمم الدم. ومات. الموت في بلد بعيد، بعيداً عنا، بعيداً عن كل ما عرفه.
في هذه اللحظة، لم أشعر بأي شيء. كان هناك فراغ. جسدي كان موجوداً، لكن عقلي كان في مكان آخر. قالوا إنني بكيت. لا أتذكر. أتذكر فقط أن شيئاً ما انكسر بداخلي بطريقة لا يمكن إصلاحها. أن الحياة التي كنت أحاول أن أبنيها بعملي الشاق كل ذلك لم يعد مهماً. الشخص الذي كنت أعمل من أجله لم يعد موجوداً
بعد موت أبي، التحقت بمعهد لتعليم الإنجليزية. أربعة أشهر. لم أكن أعرف ماذا أفعل بحياتي، فاخترت أن أتعلم لغة جديدة. ربما كانت محاولة لأهرب من الواقع. ربما كانت محاولة لأن أجد شيئاً ما - أي شيء -- يستحق أن أحياه.
في أحد الأيام، تأخرت عن الحصة. وكنت اركض و مررت أمام فصل فيه أجهزة سيرفرات وسويتشات. أتذكر الشعور — كان حلماً قديماً بدأ يستيقظ. ان اصبح مهندسا. كنت أحب هذا الشيء منذ الصغر. حين كنت طفلاً، قبل كل هذا الألم، قلت أريد أن أعمل في مجال التقنية. الحياة سرقت كل شيء آخر لكن هذا الحلم الصغير بقي.
سألت المدرس. قال: دورة شبكات. السعر؟ 300 ريال. ثلاثمائة ريال فقط. ادخرت هذا المبلغ وبدأت الدراسة. ٣ أشهر. والآن أفهم الشبكات. الأجهزة. كيف تتحدث مع بعضها. كيفية الحماية.
كان هناك احتفال صغير في نهاية الدورة. الجميع سعيد. أنا أيضاً سعيد. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعرت أنني أنجزت شيئاً. شيئاً صغيراً، لكنه لي حتى لو كانت شهادة حضور لكن المدرس قال شيئاً جعل هذا الفرح يتلاشى في لحظة. قال إنه أتى من مركز مرموق كعمل خيري. وإن من يريد أن يدرس بشكل معتمد في مركزهم، الدورة تكلف ١٣٠٠ ريال شهري، لمدة سنتين كاملة.
٣١٢٠٠ ريال
تركت المعهد بهدوء. لم أقل شيئاً. ببساطة مشيت. أسير في الشارع بدون اتجاه. المباني تمر بجانبي، الناس يمرون، العالم يستمر وأنا متوقف. وقفت على رصيف ما، بين السيارات، وأدفن وجهي بين يديّ وبدأت أبكي.لي اول مرة ابكي قهرا على حالي
لا أعرف كم من الوقت بكيت. الوقت يفقد معناه حين تنهار. لكن في تلك اللحظة، فهمت شيئاً: النظام لا يريدك أن تنجح. النظام يريد منك أن تعرف أن هناك خط فاصل. أن جانب الخط فيه أشخاص يستحقون التعليم والفرص. والجانب الآخر فيه أنت إنسان جائع بحلم كبير جداً
المشكلة الحقيقية ليست أن التعليم غالي. المشكلة أن الدول — حكوماتنا — قررت أن التعليم ليس حقاً. إنه سلعة. تُباع للذين يستطيعون أن يشتروها. هذا نظام محسوب. ليس خطأ عرضي. هذا قرار.
حين تقول دولة: "التعليم للجميع"، لكن تفرض رسوماً لا يستطيع معظم الناس تحملها، فهي تكذب. تكذب بكل براءة وابتسامة رسمية. تقول شيئاً وتفعل نقيضه. والأسوأ أن هذا النظام معترف به. لا أحد يقول إنه سيء. الناس يقولون: "هذه هي الحياة. هكذا العالم يعمل." وقبول النظام الظالم هو بداية استمراره.
أنا لم أكن غبياً. لم أكن كسولاً. لم أكن أقل موهبة من أي طفل آخر. كنت فقط فقيراً. وفي النظام الحالي، كونك أنت فقير يعني أن كل الأبواب ستُغلق في وجهك ليس بقسوة، بل بهدوء وتنظيم. بروتوكول واضح جداً: إن لم تملك المال، فأنت لا تستحق الفرصة.
معلمي الذي قال: المال يذهب ويأتي، لكن الطموح إذا انكسر لا يعود أنقذ حياتي. أخذني معه إلى عمله كل ظهيرة. أراني بيئة الشركات. أخذني إلى المركز كل مساء لأدرس مجاناً. سنتان من هذا الدعم، ثم قال: أريدك أن تعمل معي.
هذا فعلياً أنقذ حياتي. وأنا شكور لهذا. حقاً. لكن هذا لا يُسقط الحقيقة الأساسية: معلم واحد من بين مليارات لا يستطيعون فعل ما فعله. ملايين الأطفال يجلسون الآن على أرصفة بدون معلم. ينتظرون. يأملون. والكثير منهم سيستسلم.
النظام يعتمد على هذه الحالات النادرة. يقول: انظروا، هناك معلم ساعده. إذن الحل موجود. لكن الحل الحقيقي؟ الحل الحقيقي أن تُغيّر النظام. أن تضمن فرصة متساوية للجميع. أن تقول الدول، الحكومة، القانون : هذا الطفل الفقير هو مسؤوليتي . وأنا سأضمن له التعليم بدون شروط اقتصادية.
لكن هذا لا يحدث.
الآن أملك وظيفة. أملك راتب. أملك أمان نسبي. لكن كل يوم حين أرى طفلاً فقيراً وأنا أراهم كثيراً في شوارع المدن أرى نفسي. أرى الشخص الذي كان يجلس على رصيف ويبكي لأن رقماً في حساب بنكي قرر أنه لا يستحق الحلم
هناك شيء يسميه الاقتصاديون (تكلفة الفرصة البديلة). معناه: حين تختار شيئاً، فأنت تترك شيئاً آخر. اخترت أن أعمل في الورشة والنجارة بدلاً من المدرسة. كانت هذه اختياري وقتها، لأنه لا توجد خيارات أخرى
لكن الاختيار الحقيقي يجب أن يكون بين خيارات. حين تكون الخيارات الوحيدة هي (الجوع أو الشغل)، فهذا ليس اختيار. هذا إجبار. والنظام الذي يُجبر الأطفال على الاختيار بين التعليم والبقاء على قيد الحياة هذا نظام فاشل
اليوم أكتب هذا وأنا أعرف أن هناك ناس سيقرؤونها ويقولون: لكن هناك تعليم حكومي مجاني." نعم. لكن التعليم الحكومي في بلداننا ضعيف. لا موارد. معلمون مرهقون. فصول مكتظة. قلا الذين يستطيعون يُرسلون أطفالهم إلى خاص. والباقون يبقون خلف، ويدركون منذ الصغر أنهم أقل جودة
وفي الوقت نفسه، يقولون للطفل الفقير: "ادرس وستنجح." كذب. الإحصائيات تقول إن أطفال الفقراء نسبة نجاحهم أقل. ليس لأنهم أقل ذكاء. لأنهم متعبون. جائعون. قلقون. يفكرون بمال يحتاجه البيت. دماغ الطفل الجائع لا يستطيع التركيز على الرياضيات والعلوم. يركز على البقاء
الآن أفهم لماذا بعض الناس ينهارون تحت الضغط. لماذا بعض الناس لا يحلمون. لماذا بعض الناس يستسلمون. ليس ضعفاً. هو عقلانية. هو فهم النظام وإدراك أن الحلم قد يُقتل من الجوع قبل أن يصبح حقيقة.
في المجتمع الذي أتى منه، الأحلام الكبيرة تُقتل بسرعة أو ببطء لكن تُقتل. والذين ينجحون — مثلي — يصبحون إثباتاً أن النظام يعمل". لكن النظام لا يعمل. عدد قليل منا يخرج من البئر لأن شخصاً ما أعطانا حبلاً. الملايين الآخرين بقوا في البئر
الآن حين أشتري شيئاً، أتذكر الرقم. حين أسمع عن تكاليف دراسة، أشعر بألم. حين أرى طفلاً فقيراً بجانبي، أشعر بذنب ذنب لأنني خرجت، أنني نجحت، أنني أملك الآن ما يحتاجه 10 أطفال فقراء.
وكل يوم أسأل نفسي: هل هناك طريقة لأغيّر النظام؟ هل يمكن أن أكون صوتاً يقول: هذا خطأ؟ أم أنني سأبقى أحد الأمثلة الحية التي تُستخدم لإثبات أن الحراك الاجتماعي ممكن؟
الحقيقة الصادقة: النظام لا يريد أن يتغيّر. الأغنياء راضون. الحكومات راضية. حتى الناس من الطبقة الوسطى لا يريدون أن يرفعوا أصواتهم لأن ذلك قد يُضر مصالحهم.
وأنا — هنا، الآن — أملك وظيفة جيدة. أملك أمان. هل سأخاطر به للتحدث ضد النظام؟ هل سأكون شجاعاً أم أكون عملياً؟
هذا هو السؤال الذي يُبقيني مستيقظاً




اول شي الله يرحم والدك ويغفرله كل ذنوبه يارب ..
ثاني شي المفروض تكون فخور بنفسك انك قدرت تعيش كل ذي الصعوبات وتعديها منجد مو أي احد يقدر يسويها و والدتك شخص عظيم منجد إنها حاولت بكل جهدها مشان والدك !
بخصوص فكرة النظام من وجهة نظري إنه صعب صعب جداً يتغير لإنك لمً تنتقد مارح تنتقد شخص او اثنين بل اشخاص كثيرر سواء يلي وضعوا النظام او يلي موافقين عليه .. لكن المحاولة مو سيئة وإن شاءلله يتغير .. و الله يرزق كل طفل او بالغ جالس بالشارع او بالبيت محتاج يارب يرزقهم رزق يتعجب منه أهل السموات والأرض
اذا عرفت كيف صنع النظام بتعرف ليش مستحيل يتغير و جزء منه ارادة من ربي دائما يوجد نقيض لكل شيء لابد من تواجد طفل فقير لكي نعرف انه يوجد طفل غني موارد الكوكب محدودة و التوزيع مستحيل يكون عادل الا اذا ربي قرر يعطي كل واحد حصته بكل دقة لاكن الموضوع لا يسير بهذا الشكل البعض يأخذ قسمه في الجنة و البعض يأخذ قسمه في الدنيا و البعض يملك نصف في الجنه و نصف في الدنيا و ربي اعلم بحال الكل و ما هي التقسيمة المناسبة لكل شخص