الفلسفة بعيون عربية العدد الثاني: الغزالي ضد ابن رشد المعركة التي لم تنتهي
في التاريخ معارك كثيرة حُسمت بالسيف.
لكن ثمة معركة واحدة حُسمت بالقلم أو هكذا ظن أصحابها وما زلنا نعيش تداعياتها حتى اليوم دون أن ندر
معركة بين عقلين إسلاميين كبيرين. لم يلتقيا في مجلس واحد. لم يتناظرا وجهاً لوجه. لكنهما تصادما عبر الكتب والأفكار تصادماً هزّ الفكر الإسلامي من جذوره.
من جهة: أبو حامد الغزالي الذي رأينا في العدد الأول كيف وصل إلى حدود العقل ووقف.
من الجهة الأخرى: ابن رشد الذي رأى في هذا الوقوف استسلاماً لا يليق بالعقل الإنساني.
من هو ابن رشد؟
قبل أن ندخل المعركة، لازم نعرف الرجل.
محمد بن أحمد بن رشد، قرطبي الأندلس، ولد عام ١١٢٦ ميلادي. طبيب وفقيه وفيلسوف في وقت واحد. لكن ما جعله خالداً في تاريخ الفكر شيء آخر تماماً كان المترجم الأمين لأرسطو. شروحه على أرسطو وصلت إلى أوروبا وأشعلت ما سُمّي لاحقاً بعصر النهضة. حتى أن الأوروبيين لم يسموه باسمه العربي بل The Commentator نادوه ببساطة: المعلّق
كأنه الوحيد الذي يستحق هذا اللقب
رجل أنقذ أرسطو للغرب لكن الغرب نفسه نسي هذا لاحقاً كما أشرنا في العدد الأول.
كيف بدأت المعركة؟
الغزالي أطلق أولى الرصاصات حين نشر كتابه(تهافت الفلاسفة) عام ١٠٩٥
العنوان وحده إعلان حرب. تهافت أي انهيار وتساقط. كأنه يقول: هؤلاء الفلاسفة الذين تبجّلونهم ( أرسطو وأفلاطون ومن تبعهم من المسلمين ) بنيانهم أوهى مما تظنون.
هاجم الغزالي الفلاسفة في عشرين مسألة. لكن ثلاثاً منها كانت الأشد خطورة في نظره، حتى أنه وصف القول بها بالكفر
أن العالم قديم أزلي لا بداية له في مقابل عقيدة الخلق من عدم
أن الله لا يعلم الجزئيات أي تفاصيل حياة البشر
وأن البعث جسدي مستحيل وأن الحياة بعد الموت روحانية فقط
ضربات موجعة وجّهها الغزالي للفلسفة اليونانية وكل من تبعها
ثم جاء ابن رشد
ابن رشد يردّ تهافت التهافت
بعد الغزالي بقرن تقريباً، جلس ابن رشد وكتب رده وسمّاه تهافت التهافت انهيار الانهيار. ردّ على كل نقطة بنقطة. فنّد كل حجة بحجة. بأسلوب بارد منطقي لا يرحم
لكن ابن رشد لم يكن يدافع عن الفلاسفة فقط. كان يدافع عن فكرة أكبر:
أن العقل والدين لا يتعارضان بل يتكاملان.
(يقول ابن رشد بوضوح)
الشريعة أوجبت النظر العقلي. والفلسفة هي أرقى أشكال النظر العقلي. إذن الشريعة توجب الفلسفة. من يقول إن الفلسفة تتعارض مع الدين فهو لم يفهم لا الفلسفة ولا الدين.
جملة جريئة. بل ثورية في زمانها
أين الخلاف الحقيقي؟
حين تقرأ الرجلين بعمق تكتشف أن خلافهما ليس حول الله أو الدين. كلاهما مؤمن. كلاهما يحترم الشريعة. كلاهما يرى في الإسلام حقيقة لا تُنازع
الخلاف أعمق من ذلك بكثير
الغزالي يقول: العقل أداة ثمينة لكنها محدودة. حين تصل إلى حدودها توقف. ولا تتظاهر أنك تجاوزتها. الاعتراف بالحد فضيلة لا ضعف.
ابن رشد يقول: الاعتراف بحد العقل قبل أن تصل إليه فعلاً هذا تقصير. العقل أعمق مما تظن. والمشكلة ليست في العقل بل في من لم يحسن استخدامه.
:بعبارة أبسط
الغزالي يرى أن هناك أسئلة لا يملك العقل مفاتيحها وهذا ليس عيباً في العقل بل في طبيعة الأسئلة
ابن رشد يرى أن كل سؤال حقيقي له إجابة عقلية وإن لم نصل إليها بعد فلأننا لم نفكر بما يكفي
من ربح؟
هذا هو السؤال الذي أرقني وسوف يُفاجئ الجميع
في العالم الإسلامي ربح الغزالي. كتاب تهافت الفلاسفة أوقف مد الفلسفة اليونانية في التفكير الإسلامي لقرون. كثير من العلماء رأوا في ابن رشد خطراً على العقيدة. وظل ابن رشد على هامش التراث الإسلامي حتى اليوم يُدرَّس لكن بحذر
في الغرب ربح ابن رشد. شروحه على أرسطو دخلت الجامعات الأوروبية وصارت مرجعاً. وأشعلت جدلاً واسعاً سُمّي (الرشدية اللاتينية) استمر قرونا
رجل واحد خسر في حضارته وانتصر في حضارة لم تكن حضارته
والسؤال الذي ما زال معلقاً
الغزالي وابن رشد ماتا منذ قرون. لكن معركتهما حية
كل مرة يقول فيها شخص "العلم يكفي لفهم كل شيء يتكلم ابن رشد
وكل مرة يقول فيها شخص ثمة أسئلة لا تُجيب عليها المعادلات يتكلم الغزالي
والشاب العربي اليوم يعيش هذه المعركة يومياً دون أن يعرف اسمها. حين يتساءل: هل يكفيني العقل؟ هل الإيمان والتفكير النقدي يجتمعان؟ هل أنا مضطر للاختيار بينهما؟
هذه ليست أسئلة جديدة
هذه أسئلة الغزالي وابن رشد بأسماء مختلفة
ما موقفي أنا كا عمر؟
سأكون صادقاً لأن الفلسفة التي لا تلتزم بصاحبها جبانة.
أرى أن ابن رشد كان أكثر ثقة بالعقل مما ينبغي. وأرى أن الغزالي كان أحياناً يستخدم حدود العقل ذريعة لإغلاق أسئلة كان يمكن فتحها
لكن في النهاية الغزالي كان أكثر صدقاً مع طبيعة التجربة الإنسانية. لأن الإنسان لا يعيش بالعقل وحده. ولا بالإيمان وحده. بل في المساحة الرهيبة والجميلة بينهما
وهذه المساحة لم يصفها أحد بدقة حتى اليوم
بقلم عمر حسين ال هيرا
أكتب لأفهم. وأفهم لأتحرر






جمع المناظرات بين اجانب وعرب شي يثير الدهشة والعجب والامتنان لمن جمعها
استمررررررررررر
الفلسفة صحيحة داءما إذا نظرت بمنظار قاءلها .وصراع الأفكار هذا هو افضل ما في الفلسفة