الفلسفة بعيون عربية العدد الرابع
الجاحظ حين تكون الضحكة أحد أشكال الحكمة
كل الفلاسفة الذين تحدثنا عنهم حتى الآن كانوا جادين
الغزالي كتب وهو ينهار من الداخل
ابن رشد كتب وهو يخوض معركة
ابن خلدون كتب وهو يشاهد الحضارات تتساقط
ثم جاء الجاحظ
وضحك
من هو هذا الرجل؟
عمرو بن بحر الجاحظ بصري المولد عاش في القرن التاسع الميلادي في عصر الخليفة المأمون ذلك العصر الذهبي حين كانت بغداد عاصمة العالم الفكري بلا منازع
الجاحظ لقب لا اسم أُطلق عليه بسبب بروز عينيه. رجل كان قبيح المنظر بشهادة المؤرخين، لكنه وبرأي ورأي المؤرخين كان من أجمل العقول في تاريخ العربية بلا جدال
كتب في كل شيء علم الكلام، الحيوان، البيان، السياسة، المجتمع، الطعام، البخلاء. أكثر من مئتي كتاب يُنسب إليه وصلنا منها القليل، وهذا القليل يكفي لنفهم لماذا كان استثناءً في تاريخ الفكر
لكن ما يعنينا هنا شيء محدد: استخدامه للسخرية أداةً فلسفية
السخرية ليست ترفاً
حين يذكر الغرب السخرية السياسية يبدأون عادةً من فولتير في القرن الثامن عشر. أو من جوناثان سويفت قبله بقليل
لكن الجاحظ سبقهم بألف سنة
الفرق أن الجاحظ لم يكن يسخر للترفيه فقط كان يسخر لأنه اكتشف شيئاً فلسفياً عميقاً: أن الضحك يكشف ما لا تستطيع الحجة الجادة كشفه
حين تقول لشخص أنت مخطئ يدافع عن نفسه
حين تجعله يضحك على خطئه يرى نفسه بعيون أخرى
الضحك يفتح ثغرة في الدرع. والفيلسوف الذكي يدخل من هذه الثغرة
كتاب البخلاء فلسفة مُقنّعة بالفكاهة
أشهر كتبه كتاب البخلاء وهو في ظاهره مجموعة قصص طريفة عن أناس شحيحين يحتجون لبخلهم بحجج مضحكة
لكن حين تقرأه بعمق تجد شيئاً آخر تماماً
الجاحظ يكشف آلية الإنسان في تبرير رذائله. كيف يأخذ الإنسان ما هو قبيح فيه ويلبسه ثوب العقل. البخيل لا يقول أنا بخيل يقول أنا حكيم في إدارة المال والجبان لا يقول انا أخاف يقول أنا أتجنب ما لا فائدة منه
هذا ما يسميه علم النفس اليوم التبرير العقلاني Rationalization اكتشفه فرويد في القرن العشرين وصار مفهوماً محورياً في التحليل النفسي
والجاحظ كتب عنه بالعربية قبل فرويد بألف سنة لكنه لم يكتب عنه بالمصطلح الجاف، بل بالقصة المضحكة التي تُصوّر الآلية أمام عينيك حتى تراها في نفسك أنت
البيان والتبيين حين تصبح اللغة موضوع الفلسفة
لكن الجاحظ لم يكن يسخر فقط. كان مفكراً في اللغة نفسها
في كتابه البيان والتبيين يطرح سؤالاً لم يطرحه أحد قبله بهذا الوضوح: ما الذي يجعل الكلام مؤثراً؟
ليس الصحة المنطقية وحدها. وليس الجمال اللغوي وحده. بل شيء ثالث قدرة الكلام على أن يصل إلى داخل الإنسان ويحركه هذا ما يسميه الغرب اليوم الريتوريك أو فن الإقناع ويرجعونه إلى أرسطو في كتابه الخطابة
لكن الجاحظ ذهب أبعد من أرسطو في شيء واحد مهم: أرسطو درس الخطابة كأداة للإقناع العام. الجاحظ درس اللغة كظاهرة إنسانية متكاملة كيف تتشكل، كيف تتغير كيف تحمل ثقافة أمة بأكملها وكيف أن ما يُقال وما لا يُقال يرسم حدود تفكير المجتمع
هذه الفكرة الأخيرة أن اللغة تحدد حدود التفكير صارت في القرن العشرين من أهم نظريات اللسانيات الحديثة. وتُنسب إلى الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين الذي قال جملته الشهيرة: حدود لغتي هي حدود عالمي
والجاحظ كان هناك أولاً. بلغة أجمل وبفكاهة أذكى
ما الذي نأخذه من الجاحظ اليوم؟
في عالم يغرق بالخطاب الجاد والمقالات الثقيلة والنقاشات المطولة التي لا تُغيّر شيئاً يذكّرنا الجاحظ بحقيقة بسيطة
الفكرة التي تُضحكك تصل أعمق من الفكرة التي تُقنعك
لأن الإقناع يخاطب العقل. والضحك يخاطب الإنسان كله
ولهذا تبقى قصص البخلاء في ذاكرتك بعد أن تنسى أطروحات الفلاسفة. ولهذا يكتشف الناس أنفسهم في شخصية ساخرة أكثر مما يكتشفونها في تعريف فلسفي
في رأي الجاحظ لم يرفض الجدية كتب في علم الكلام والبلاغة بجدية تامة. لكنه أدرك أن للحكمة أشكالاً متعددة. وأن الشكل الأصعب في الكتابة هو الذي يجعلك تفكر وتضحك في نفس اللحظة
سؤال ختامي
لو عاش الجاحظ اليوم ماذا كان سيكتب؟
أظن أنه كان سيكتب عن شبكات التواصل الاجتماعي. عن الصور الطريفة التي تحمل أحياناً حقيقة أعمق من المقالات الجادة. عن كيف أن الناس ينشرون النكتة لأنها تقول ما لا يجرؤون على قوله بشكل مباشر
وكان سيضحك ثم يكتب عن ذلك بالعمق الذي يجعل ضحكتك تتجمد في منتصف الطريق حين تدرك ما تعني
بقلم عمر حسين ال هيرا
أكتب لي أفهم وأفهم لأتحرر





لو كان في زماننا سيكتب عن التكاسل والخمول عند العرب و يسمي كتابة ،،المتكاسلين،،